النويري

226

نهاية الأرب في فنون الأدب

قال أبو عبيدة : فمشيت متزمّلا « 1 » أنوء كأنما أخطو على رأسي فرقا من الفرقة ، وشفقا على الأمّة ، حتى وصلت إلى علىّ رضى اللَّه عنه في خلاء ، فأبثثته « 2 » بثّى كلَّه ، وبرئت إليه منه ، ورفقت به ؛ فلمّا سمعها ووعاها ، وسرت في مفاصله حميّاها ؛ قال : حلَّت معلوطة « 3 » ، وولت مخروّطة « 4 » ، وأنشأ يقول : إحدى لياليك فهيسى هيسى لا تنعمى الليلة بالتعريس نعم يا أبا عبيدة ، أكلّ هذا في أنفس القوم يحسّون به ، ويضطبعون « 5 » عليه ؟ قال أبو عبيدة : فقلت : لا جواب لك عندي ، إنما أنا قاض حقّ الدّين ، وراتق فتق المسلمين ، وسادّ ثلمة الأمّة ، يعلم اللَّه ذلك من جلجلان « 6 » قلبي ، وقرارة نفسي ؛ فقال علىّ رضى اللَّه عنه : واللَّه ما كان قعودى في كسر هذا البيت قصدا للخلاف ، ولا إنكارا للمعروف ، ولا زراية على مسلم ، بل لما وقذنى « 7 » به رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من فراقه ، وأودعنى من الحزن لفقده ، وذلك أنني لم أشهد بعده مشهدا إلا جدّد علىّ حزنا ، وذكَّرنى شجنا ، وإن الشوق [ إلى ] اللَّحاق به كاف عن الطمع في غيره ، وقد عكفت على عهد اللَّه أنظر فيه ، وأجمع ما تفرّق [ منه ]

--> « 1 » المتزمل : المتلفف ؛ يريد أنه خرج مستخفيا . « 2 » يقال : أبثثته السر ، إذا أطلعته عليه . « 3 » المعلوّطة : من الاعلوّاط ، وهو ركوب الرأس والتقحم على الأمور من غير رويّة ؛ والمخروطة : السريعة . « 4 » هو مثل يضرب للرجل يأتي الأمر يحتاج فيه إلى الجلد والاجتهاد . والهيس بفتح الهاء : السير مطلقا . « 5 » أراد بالاضطباع هنا : الانطواء والاشتمال ؛ وقد استعاره من قولهم : اضطبع الشئ ، إذا جعله تحت ضبعيه ، وهما عضداه . وفى شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : « يضطغنون » ؛ والاضطغان : الاشتمال أيضا . « 6 » جلجلال القلب : سويداؤه . « 7 » وقذه : تركه عليلا .